الجمعة، 5 سبتمبر 2025

المرأة وتأصيل الجرأة

 

المرأة وتأصيل الجرأة

سبتة : مصطفى منيغ

المرأة من أكبر النِعم متى أدرَكَت قيمتها وتعلَّمت ما يجعلها نبراس حياة ، منها تبتدئ عبقرية أمة ومعها تتقدم هبة دولة وبمرافقتها تضاف كقيمة لأية قيمة يحضنها أصفياء تقاة ، ومهما تواجدت على هذا النمط بعقل مشحون بالعلم المنقوش للصمود على الصَّفَاة ، وقلب خافق بالإيمان العميم على القياسات المحسومة مستوفاة ، وفكر صافي بسمات الابتكار ذي القصد السليم المتكامل المراعاة ، أصبح للمجتمع قاعدة ارتكاز بغير محاباة ، من سار على سمكها فاز ، سالكا غير المَسْلُوك  بامتياز ، مهما كان الخطو بطيئا واصل صاحبه لما يَرضَى أو لتسريع مسعاه قفز ، بمثل المرأة تتحقق الديمقراطية في تدبير الشؤون الإنسانية ، العامل الأساس في خلق مؤسسات دستورية حقيقية ، بضبط الأحزاب السياسية على تقبُّل النبوغ الأنثوي المُشبع باللطف الدبلوماسي ، وأخلاق القيم المحترِمة لحقوق الإنسان ، والتحدث بلغة التفاؤل المبني على إصلاح حاضر الواقع بأسلوب تمكين الكفاءات النسوية من وظائف قيادية ، لها الطموحات المشروعة لمنح المستقبل ما يتطلبه من شروط ، منها الوفاء في تحمل المسؤوليات على الوجه الأكمل ، والإخلاص للمبادين ومنها  المغرب الحر بالحرائر والأحرار على حد سواء ، وتوزيع الواردات الوطنية على جميع مكونات الوطن .

... في المغرب نساء يتشرف بهن ، على درجة عالية من الأخلاق ، ومرتبه علمية سامية ، وحضور ايجابي مؤثر ، مصدر توقير وتقدير ، منهن الأستاذة إيمان اليوسفي من مدينة مكناس التي أجريت معها الحوار الصحفي التالي :      

مصطفى منيغ:  الأنتى وصلت في المغرب حدا من الوعي والرقي ما جعلها تحظى للتتبع من طرف المختصين الاجتماعين عبر العالمين العربي والغربي ، وحتى نعطي الفرصة لهؤلاء حتى يتمكنوا من صقل معرفتهم في الموضوع أكثر وأزيد ، فكرت أن اتخذك نموذجا مشرفا لتلك الأنثى المثقفة الواعية الملمة بما يحدث حولها والعالم ، والبداية تكون بالتعريف عن نفسك بنفسك .

أيمان اليوسفي : الاسم: إيمان اليوسفي

مدينة المنشأ مكناس، المغرب ، من أحياء مكناس العريقة، بدأت رحلتي، حافتها الطموح وشحذتها الإرادة. في كنف المدرسة العمومية، التي احتضنتني منذ سنواتي الأولى، من مقاعد الابتدائية، مرورًا بصفوف الإعدادية والثانوية، وصولًا إلى رحاب الجامعة، تشكلت شخصيتي الأكاديمية. كانت كل مرحلة في هذه المؤسسات منارة تضيء دربي نحو شغفي بالعلم والقانون. لم تكن مكناس مجرد نقطة بداية، بل كانت منبعاً لأساس تعليمي متين سمح لي بالتحليق خارج أسوارها. انتقلت إلى مدينة فاس لأُعمق معرفتي، حيث تخصصت في ماجستير قانون الأعمال الدولي، فكان ذلك بمثابة جسر ربطني بالعالم الأوسع، ومنحني فهماً أعمق للقوانين التي تُسيّر التجارة والعلاقات الدولية. وبعد ذلك، وجهتُ وجهتي نحو مدينة وجدة، لأتوج مساري الأكاديمي بإتمام أطروحتي في القانون، وهي محطة علمية فارقة تتطلب الكثير من الجهد والمثابرة. هذا المسار الأكاديمي الثري لم يكن مجرد تنقل بين المدن، بل كان رحلةً لبناء الخبرة العملية التي أردتُها أن تكون في صلب عملي. لقد انخرطتُ في المهن القضائية، فكانت تجربة عملية فريدة سمحت لي بالتعمق في تطبيقات القانون على أرض الواقع. كما كان لي شرف التدريس في الجامعة كأستاذة زائرة، وهي تجربة أعتز بها كثيراً، فقد سمحت لي بنقل المعرفة والشغف إلى الأجيال القادمة من طلبة القانون. هذه الرحلة، بكل محطاتها وتحدياتها، لم تكن سهلة أبداً. لكن إيماني بأن كل خطوة هي فرصة للنمو والتعلم جعلني أواصل المضي قدماً، لأثبت أن الطموح لا يحده مكان ولا مسار.

مصطفى منيغ : ما قولك في مستوى الأنثى المعتمدة على نفسها لفرض وجودها الإيجابي داخل المجتمع المغربي ؟ .

   أيمان اليوسفي :  إن مستوى الوجود الإيجابي للمرأة المغربية المعتمدة على نفسها هو ظاهرة مبهرة ومتصاعدة باستمرار، وتُشكل أحد أهم محركات التغيير الاجتماعي العميق الذي يشهده المغرب. لم يعد الأمر مقتصراً على حالات فردية، بل تحوّل إلى تيار مجتمعي واسع، حيث أثبتت المرأة المغربية أنها ليست مجرد مستهلك أو تابع، بل شريك كامل وفاعل في كل مستويات التنمية. هذا الوجود الإيجابي يتجلى في ثلاث ركائز أساسية متكاملة: الاستقلالية الاقتصادية، الفاعلية الاجتماعية، والتأثير السياسي.

     أولاً، الاستقلالية الاقتصادية هي حجر الزاوية الذي بنى عليه هذا الوجود الجديد. بفضل ولوجها المتزايد للتعليم العالي والتدريب المهني، أصبحت المرأة المغربية قادرة على اقتحام قطاعات كانت حكراً على الرجال، من الهندسة وتكنولوجيا المعلومات إلى الطب والقضاء. لقد برزت ك ريادية أعمال ناجحة، تُطلق مشاريعها الخاصة وتُساهم في خلق فرص عمل، سواء في المدن الكبرى أو في القرى والمناطق النائية حيث تُشرف على تعاونيات فلاحية أو حرفية. هذه الاستقلالية المالية منحتها قوة قرار داخل الأسرة والمجتمع، وحررتها من التبعية، ما مكنها من المساهمة بشكل فعّال في تحسين جودة حياة أسرتها وتوفير تعليم أفضل لأطفالها.

    ثانياً، الفاعلية الاجتماعية هي الوجه الآخر لهذا الوجود. فبفضل وعيها المتزايد بحقوقها وقضايا مجتمعها، أصبحت المرأة قائدة في المجتمع المدني، تُدافع عن حقوق الإنسان، تُحارب العنف ضد النساء، وتعمل على تعزيز القيم الإيجابية. لقد أسست جمعيات ومؤسسات تُقدم الدعم النفسي والقانوني للنساء، وتُطلق حملات توعية حول الصحة، التعليم، والمواطنة. هذه الفاعلية جعلت منها صوتاً قوياً ومسموعاً داخل المجتمع، قادراً على الضغط من أجل الإصلاحات وتغيير العقليات البالية التي كانت تُعيق تقدمها.

    ثالثاً، التأثير السياسي يُشكل تتويجاً لهذا المسار. بفضل الإصلاحات الدستورية والقانونية، بما في ذلك نظام "الكوتا" النسائية، ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في المؤسسات المنتخبة، من المجالس البلدية إلى البرلمان. لم يعد وجودها رمزياً، بل أصبحت صاحبة قرار تُساهم في صياغة القوانين والسياسات العامة التي تُعنى بقضايا الأسرة والمجتمع. هذا الحضور السياسي يُعطيها الفرصة لترجمة طموحاتها في المساواة والعدالة إلى واقع ملموس، ما يُعزز مكانتها كشريك أساسي في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.

    على الرغم من هذه الإنجازات، لا يمكن إنكار وجود تحديات قائمة. فالعقليات التقليدية، والتمييز في بعض القطاعات، والعبء المزدوج للمسؤوليات، لا تزال تُشكل عوائق. لكن إصرار المرأة المغربية على المضي قدماً يُظهر أن هذه الصعوبات ليست إلا حافزاً إضافياً لها. إن وجودها الإيجابي ليس مجرد مكسب لها كفرد، بل هو ثروة حقيقية للمجتمع ككل، تُساهم في خلق مجتمع أكثر توازناً، عدلاً، وازدهاراً.

مصطفى منيغ : هل الأنثى حاصلة على حقوقها كاملة أم الطريق لتحقيق ذلك لا زالت طويلة ؟ .

أيمان اليوسفي : إن القول بأن المرأة حصلت على حقوقها الكاملة هو إقرار سابق لأوانه، بل هو بعيد كل البعد عن الواقع في غالبية مجتمعات العالم. فالمسيرة نحو المساواة الكاملة والفعّالة، رغم كل الإنجازات المحققة، لا تزال طويلة وشاقة، وتتطلب تضافر الجهود على مستويات متعددة. لقد تم قطع أشواط مهمة، فمنذ عقود، كانت حقوق المرأة في التصويت، والتعليم، وامتلاك الممتلكات حلماً بعيد المنال في كثير من الدول، لكن بفضل النضالات المستمرة، أصبحت هذه الحقوق اليوم مكتسبة قانونياً في معظم البلدان. لكن التحدي الأكبر لا يكمن في وجود القوانين، بل في تفعيلها على أرض الواقع. فالنصوص التشريعية، رغم أهميتها، تبقى مجرد إطار نظري إذا لم تواكبها تحولات حقيقية في العقول والسلوكيات. هذا ما يُعرف بالفجوة بين "الحق القانوني" و"الحق الواقعي". المرأة اليوم قد تحصل على فرصة عمل، لكنها قد تواجه التمييز في الأجور، أو صعوبات في الوصول إلى مناصب قيادية، أو حتى تحرشاً في مكان العمل. قد يُجرم القانون العنف ضدها، لكن الأعراف الاجتماعية قد تُشجع على التستر عليه أو تجاهله. هذه الفجوات تُظهر أن المعركة ليست فقط مع النصوص القانونية، بل مع الأنماط الثقافية الراسخة. إن الطريق لتحقيق المساواة الكاملة يتطلب مواجهة ثلاثة أنواع من الفجوات. أولاً، الفجوة القانونية، فبالرغم من التقدم، لا تزال بعض القوانين تميز ضد المرأة، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، الحضانة)، ما يتطلب إصلاحات تشريعية جذرية. ثانياً، الفجوة الاقتصادية، حيث تظل مشاركة المرأة في القوى العاملة أقل من الرجل، كما أن عملها غير المدفوع الأجر (في المنزل) لا يُحتسب في الاقتصاد، مما يُقلل من قيمتها الاقتصادية ويُعيق استقلالها المالي. ثالثاً، الفجوة الاجتماعية والسياسية، فبالرغم من ارتفاع نسبة تمثيل المرأة في البرلمانات والمؤسسات، فإن وجودها لا يزال رمزياً في بعض الحالات، حيث لا تملك سلطة قرار حقيقية. كما أن الصور النمطية السلبية تُعيق تقدمها وتُقلل من ثقتها بنفسها وقدرتها على القيادة. لذلك، فإن المرحلة الحالية هي مرحلة عمل دؤوب. لم يتم إنهاء المعركة، بل دخلت مرحلة جديدة تتطلب عملاً على عدة جبهات. الأمر لا يقتصر على الحكومات والمنظمات، بل هو مسؤولية كل فرد في المجتمع. من داخل الأسرة، بتربية الأبناء على المساواة والاحترام، إلى داخل المؤسسات، بتعزيز ثقافة التكافؤ والإنصاف، إلى داخل المجتمع ككل، برفض التمييز والعنف والتحيز. فالمساواة ليست امتيازاً يُمنح، بل حق يُكتسب، والطريق نحو تحقيقه يتطلب وعياً مستمراً، وإرادة سياسية قوية، وتغييراً ثقافياً عميقاً.

مصطفى منيغ: ماذا حققت كأنثى لحد الساعة في وسط لم يتموقع ديمقراطيا في المكان الذي يستحقه ؟.

 أيمان اليوسفي : ان ما حققته هو فرض وجودي بصفتي شخصاً، وليس كأنثى فقط. كان التحدي الأكبر هو تجاوز النظرة النمطية التي ترى في المرأة مجرد "ضيف" عابر أو "مساعدة" في هذا الميدان. كان علي أن أثبت أن كفاءتي وقدراتي الفكرية لا ترتبط بجنسي، وأن صوتي يحمل أفكاراً جديرة بالاحترام والإصغاء. لقد عملت بجد مضاعف ليس لأبرهن على أنني "أستطيع"، بل لأجعل من وجودي أمراً طبيعياً لا يثير الاستغراب، ليصبح مقعدي حقاً لا جدال فيه. أما أعظم ما حققته فهو خلق مساحة إيجابية للتعاون. بدلاً من الدخول في صراع لإثبات الذات، ركزتُ على بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل. لقد أثبتُ أن وجود المرأة لا يهدد أحداً، بل يثري البيئة العملية والفكرية. لقد كان إنجازي الأكبر ليس فقط في تحقيق النجاح لنفسي، بل في إحداث تحول ديمقراطي صغير في هذا المكان. تحول يُمكنه الآن أن يتقبل الاختلاف، ويحتفي بالتنوع، ويقدر الكفاءة بغض النظر عن مصدرها.

مصطفى منيغ: ما تطمحين إليه كأنثى تملك مقومات النجاح في الحياة ؟

أيمان اليوسفي : بوصفي أنثى تملك مقومات النجاح، فإن طموحاتي تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات الشخصية أو الحصول على اعتراف فردي. لقد أدركت أن النجاح الحقيقي يكمن في إحداث تأثير إيجابي ومستدام يخدم المجتمع ككل، وأن رحلتي نحو التميز ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لفتح الأبواب أمام الآخرين، خاصة من النساء.

أولاً، أطمح إلى أن أكون نموذجاً ملهماً. في عالم لا تزال فيه الصور النمطية تحد من طموح الفتيات، أريد أن تكون مسيرتي المهنية والشخصية دليلاً حياً على أن المرأة قادرة على تحقيق أي شيء تضعه نصب عينيها، بغض النظر عن القيود المجتمعية. هدفي هو إلهام الأجيال القادمة من الإناث ليؤمن بقدراتهن، ويدركن أن طريق النجاح لا يقتصر على جنس دون آخر. أنا أسعى لأكون جسراً يربط بين الأحلام والواقع، وأثبت أن النجاح لا يُبنى على التنافس السلبي، بل على التعاون والتضامن.

ثانياً، أطمح إلى بناء منظومة عمل أكثر شمولاً وعدلاً. أرى أن النجاح لا يكتمل إلا إذا كان شاملاً للجميع. لذلك، أعمل على تعزيز بيئة عمل تُقدر الكفاءة بغض النظر عن الجنس أو الخلفية الاجتماعية. أطمح إلى أن أُساهم في صياغة سياسات عادلة تُكافح التمييز في الأجور، وتُعزز التنوع في المناصب القيادية. أريد أن أُنشئ مشاريع أو أُساهم في مؤسسات لا تحقق أرباحاً مالية فحسب، بل تُقدم قيمة اجتماعية حقيقية، كدعم تعليم الفتيات أو تمكين النساء اقتصادياً.

ثالثاً، أطمح إلى المساهمة في التغيير الثقافي. أدرك أن القوانين وحدها لا تكفي لإحداث تغيير دائم. لذلك، أسعى للعمل على تغيير العقليات التي تُعيق تقدم المرأة. أطمح إلى أن أُشارك في حوارات مجتمعية تُعزز ثقافة المساواة والاحترام المتبادل، وتُشجع على تقاسم الأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة والمجتمع. هدفي هو أن يصبح دعم المرأة جزءاً أصيلاً من الثقافة، لا مجرد شعار.

في الختام، إن طموحي الأكبر ليس مجرد تحقيق نجاح شخصي، بل هو أن أُسخّر كل مقوماتي وقدراتي لأكون جزءاً من حركة أكبر تهدف إلى بناء عالم أكثر مساواة وكرامة، حيث لا يتم إهدار أي موهبة أو إمكانية بسبب الجنس. أطمح إلى ترك بصمة إيجابية تدوم أجيالاً.

مصطفى منيغ: كلمتك لنساء العالم

أيمان اليوسفي : لكل امرأة حول العالم،

أخاطبك اليوم بقلب يملؤه الفخر والأمل، ليس فقط كصوت، بل كصدى لآلاف الأصوات التي سبقتنا ومهدت لنا الطريق. أنتِ لستِ مجرد نصف المجتمع، بل أنتِ المجتمع كله، فيكِ تكمن القوة، والصبر، والمرونة، والقدرة على تغيير العالم من أساسه. أدرك أن رحلتك قد لا تكون سهلة، وأن التحديات قد تظهر في كل منعطف. قد تواجهين قيوداً اجتماعية أو ثقافية تحاول أن تحد من طموحكِ، أو أصواتاً داخلية تُشكك في قدراتكِ. لكن أطلب منكِ ألا تستسلمي، ففي داخلكِ يكمن إرث من الصمود والقوة. تذكري أن كل قصة نجاح عظيمة تبدأ بفكرة جريئة وإيمان لا يتزعزع. استثمري في ذاتكِ بلا حدود، في تعليمكِ الذي يُوسع آفاقكِ، في مهاراتكِ التي تُمكنكِ، وفي صحتكِ النفسية التي تُعد أغلى استثمار على الإطلاق. لا تخافي من الفشل، بل انظري إليه كفرصة ثمينة للتعلم والنمو. كوني قوية في مواجهة الصعاب، لكن لا تخافي أبداً من إظهار ضعفكِ أحياناً، ففي هذا الضعف تكمن قوة فريدة. تذكري أنكِ لستِ وحدكِ في هذه المسيرة، فادعمي أخواتكِ، واحتفي بإنجازاتهن الصغيرة والكبيرة، لأن دعمنا لبعضنا البعض هو أساس قوتنا الجماعية. أنتِ قادرة على أن تكوني أماً عظيمة، وقيادية ملهمة، وفنانة مبدعة، وعالمة متميزة، ومبتكرة تُغير قواعد اللعبة، وفاعلة تغيير تُحدث فرقاً حقيقياً. العالم اليوم في أمس الحاجة إلى حكمتكِ، وعاطفتكِ، وإصراركِ. أتمنى أن تكوني كل ما حلمتِ به لنفسكِ وأكثر. فلتكن بصمتكِ قوية، مؤثرة، وخالدة، ولتُضيء الطريق للأجيال القادمة. تذكري دائماً: أنتِ تستحقين كل شيء، والآن هو وقتكِ.

    مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الإنسان في

سيدني – أستراليا

212770222634

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

أرادوها ملتهبة فكانت للهدوء واهبة

 

أرادوها ملتهبة فكانت للهدوء واهبة

القصر الكبير : مصطفى منيغ

للحرية مقدار مُقَدَّر متى تجاوزته خَسرت ما وُجِدت من أجله ، ولا تسترجع ما ضاع لها منها إلا باجتياز ما كانت تَفَلَّت من تقبُّله ، وفي هذه الوضعية لا مناص لها من ترويض مفهومها على تقلِيلِه ، بإفراغ نصف شحنة اندفاعها احتراماً لقيمٍ ِمن أهلها وتمكين ملحقاتها ليستمر كنهها على أصلِه  ، شاملة خير المواقف أوسطها وأمتن القرارات أَلْيَنها وأحسن البدء في ختام وصولِه ، فكانت للقصر الكبير حرية اختيار ما يلائمها مِن طلائع المسؤولية دون الخوض في إقناع حزب له ما يلِيه ، مِن موجِّهين لا معرفة لهم بالمدينة مجرَّد أمر يُعطَى لا يُنَاقَش مُقَلِّباً أسفَلَ الواقعِ على  أعالِيه ، الحزب الضيعة ذي الصاحب الفاسي في عيون أتباعه هناك ما يُبْقِى عقولهم مملوءة بسياسة معيَّنة لغاية ترسيخهم في مناصب قيادية  ليس للقصريين منها نصيب فليمد المتسوِّل على ندرته منهم استعطافاً يديه أو رجليه ، ليوضَعَ في قائمة الانتظار عسى المنتمي لفأس يجود بما تبَقَّى عليه ، ولو كان مُطَّلعاً لأجزم بأولوية القصر الكبير كواحدة من السبعة مدن أسست بهن الدولة المغربية نواة كيانها في الوقت الذي كانت فيه فاس في رحم الغيب و ما هي فيه الآن مدينة "صفرو" أعانتها عليه ، ولو أنصف القائمون على ملف المقاومة لقدموا القصر الكبير على فاس بمراحل ولكان الجواب دون حاجة لطرح سؤالِه ، ذاك الذي سمعتُه من تصريحات زعماء المقاومة والتحرير الحقيقيين ومنهم صديقي العزيز الراحل "عبد القادر المِيخْ" وابن الميلودي وعشرات آخرين حينما التحقتُ بمدينة "الخميسات" تنقيباً عن الموضوع فحصلت على ما زادني فخراً بالقصر الكبير وقررتُ التضحية مهما كان الثمن وما حييت من أجلِه .

... انطلاقاً مما سبق فتحت المدينة المجاهدة القصر الكبير ذراعيها لحزب الراحل  "المهدي بنبركة" الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، تعبيراً منها عن تدمُّرها المُطلق من تصرف سلطة الاستقلال الناقص ، الغارقة في الانحياز لجهات دون الالتفات لأخرى ومنها القصر الكبير والناحية ، بل الشمال كله المتروك لمصيره القاتم ، كأنَّ المغرب لا زال مقسَّماً بين الجنوب وعاصمته الرباط ، والشمال بعاصمته تطوان ، وفي هذه المرحلة برزت القصر الكبير كرائدة للمعارضة المدافعة عن مصالح المقهورين المهمَّشين أينما وُجِدوا في الشمال ، لتواجه حرباً بدت سرية صامتة في الأول لتتحوَّل لسلسلة من الاعتقالات التعسفية ، طالت خيره أبناء المدينة وأكثرهم تعلقاً بالحرية وتطبيق العدالة الاجتماعية مهما كان الميدان ، لتصل تلك الحرب الشرسة ذروتها أبان انتخابات أول برلمان للمغرب بعد الاستقلال ، وكنا جماعة من الإخوة المناضلين المُكوِّنين أول فرع في تاريخ الحزب بالقصر الكبير ، كائن في بناية الأوقاف المطلة على ساحة "السْوِيقَة" حيث رشَّحنا السيد "السوسي" لذات الدائرة الانتخابية التي ترشح فيها الأستاذ الراحل "عبد السلام طريبق" عن حزب "علال الفاسي" ، وبينما نحن منهمكون مطلون على الشارع الرئيسي من شرفة المقر نردد شعارات الحزب ونشيد بشيم المناضل السوسي وكذا شرح البرنامج المعتمد للحملة ، حضر الأخ "عبد السلام عامر" الملحن وزميلي في الدراسة متأبطاً اسطوانة طالبا مني وضعها في الآلة لينطلق صوت "محمد عبد الوهاب" يشدو بأغنية "أخي جاوز الظالمون المدى" وقبلها قال لي بالحرف الواحد : "اسمع أخي مصطفى منيغ ، في هذا اليوم من أيام القصر الكبير النضالية ، سنتعرَّض كلنا لامتحان قد لا نخرج منه سالمين" ، لأقاطعه : "على الأقل ليسجل علينا التاريخ أننا قمنا بما فرضه علينا حب القصر الكبير" ، وما مرت سوى دقائق حتى اقتحمت علينا عناصر الشرطة  تضرب بهمجية كل من صادفته هناك ، ولم ترخم حتى عبد السلام عامر الفاقد نعمة البصر ،  ولما أعياهم صنيعهم كسروا كل ما كان هناك واعتقلونا ونحن لا نقوى حتى على المشي  وفي مخفرهم علقوا البعض منا كالخرفان المذبوحة ، واستمروا في وحشية التعذيب بلا هوادة وكان من هؤلاء "الوراغلي"من موظفي المحكمة و"عبد السلام البوطي" من رجال التعليم وسبعة آخرين .

مصطفى منيغ

https://alkasrlkabir.blogspot.com

212770222634

الاثنين، 1 سبتمبر 2025

أرادوها متورطة فغدت متطورة

 

أرادوها متورطة فغدت متطورة

القصر الكبير : مصطفى منيغ

حسداً منهم أو حقداً أو تمهيداً لنزع ما يجعلهم أمام مدينة تكبرهم تاريخاً وتسموا فوقهم مجداً ، وليتهم وقفوا عند هذا الحد بل تفننوا ما استطاعوا تأليفاً وابتكاراً وتجديداً ، تارة على يد الاسبان وأخري اقتباسا من البرتغاليين تحديدا ، الذين لقنتهم القصر الكبير المدينة والناحية التابعة لها درسا اعتبروه مفيداً ، تدارسوه ودَرَّسُوه لأجيالهم الصاعدة تٍباعاً محوره العلمي الاجتماعي  احترام مَن يستحق الاحترام مدخلاً وحيداً ، إن تعلَّق الأمر بالعقلية القصرية الوارثة الحكمة مِن فلاسفة الإغريق الأولين وأسرار أساليب التعامل المُجدي مع الآخرين مِن الفينيقيين القدامَى وما بددوا في مثل الشأن تبديدا، فما كان للوافدين على المدينة الشريفة الكريمة (ومنهم الحافي القدمين الباحث عن مأوى يضم جسده المنهوك) أن يتطاولوا على مستقبل مدينة في حجم القصر الكبير لولا بقايا مَرضَى الأفئدةِ الذين عُهِد إليهم توريطها لتحدَّ مٍن كبريائها قسراً وعمداً ، ومتى كان النظيف يحتكُّ بأوساخٍ قهراً أو عن طيب خاطر إن أضاف على النظافة عقلاً سديداً ، لاجتياز مسالك عبَّدها بامتلاك الحقائق وبالدلائل والحجج مَهَّدها تمهيدا ، بعد الاستقلال اتضح لمن آلت إليهم أمور التدبير العام أن نسبة التعلُّم في القصر الكبير مرتفعة قياساً لمدن في حجمها على امتداد الجهات الأربع لجغرافية المغرب وأكثر من ذلك مؤشرا مؤكدا   ، أن الكثير من أبناء المدينة التحقوا في تلك الأثناء المبكِّرة لإتمام الدراسة في المؤسسات الجامعية لكل من مصر وسوريا والعراق ممَّا وُضِعت علامة استفهام ليكون الجواب متعلِّق بالتقارب غير المرغوب فيه من طرف بقايا زراعة الاستعمار قبل رحيله ليظلَّ توجُّه الدولة المغربية المستقلة محدوداً ، بالنَّأْيِ عن العرب مهما كان المجال وبخاصة مصر بالرَّغم مما قدَّمته للمقاومة المغربية من عون لجسامته لا يُنْسَى أو  يُنكَر أبدأً ، ولم يكن هناك في المملكة المغربية قاطبة من أحبَّت مصر أكثر من مدينة القصر الكبير  حيث كانت لألباب ناشئتها زاداً ، وبالأخص ما كان يصلها فنَّاً مسموعاً أو عِلما مكتوباً يجعل من مصر الملقن عن بعد عسى العالم العربي بتلك الصلة الحميدة المحمودة يصبح موحَّدا ، وما الأفلام المصرية  المعروضة على قلتها في القصر الكبير حينما كانت تتوفر على مسرح مزوَّد بآليات العرض السينمائي المشيد من طرف إسبانيا تحت اسم تياترو بيريس غالدوس(Teatro Perez Galdos) المزيَّنة به ساحة "السْوِيقَة" قبل أن يتحول لمقهى برغبة مجلس بلدي سابق و رئيسه محمد بوحيى الذي كانت لي معه مواقف سأعمل على نشرها لأهميتها وعلى إضافتها لتاريخ المدينة تأكيدا . وما كانت تلك الأفلام سوى تعريفا دقيقا بالمجتمع المصري الأصيل المتشبث بعروة العروبة الوثقى والأعراف الشرقية المحافظة على كيان الإنسان الشهم الكريم الحر القادر على التعبير بسلاسة عما يحس عن عزة نفس إبقاء  على مجتمع كله للسادة سيداً.

... أشياء ما كانت غائبة عن ذاكرة القصريين جُعلت منهم ليوم التصارح إسنادا ، يَتَوَكَّنَ الاتكاء عليه كل مدافع عن حق مدينته للعيش وفق ما تزخر به من نِعَمٍ كانت ولا تزال لها سنداً ، لو انضبط التسيير الواجب تطبيقه من طرف المسؤولين الحكوميين وما أكثرهم في عين المكان والإقليم عددا ، وتلك الديمقراطية التي أرادوها ستاراً يحجب إسناد المهام لغير المتأهلين لها مجرَّد ترقيعات أضحت إفْنَاداً . وليتم الربط بين ماضي أيام كان المجلس البلدي قدوة نضال مشروع قانوني يعلنها مطلبا ولا يتنحى عنه بعيدا ، بل يلازمه كهدف المراد تحقيقه متخذاً في شانه عهدا ، كمثل الذي تحمَّل مسؤولية رئاسته الراحل محمد بوخلفة مؤلف كتاب الطريق لمعرفة القصر الكبير وكان مرجعاً مُعتمدا ، في اجتماع موسَّعٍ عُقِدَ بمقر عمالة إقليم تطوان انتفض بوخلفة لما حُرِمَ من أخذ الكلمة ، صارحا في وجه العامل آنذاك اليعقوبي بنعمر قائلا : من حقي كممثل لسكان القصر الكبير أن أعبر عما نتعرض اليه من تهميش ولسنا في عهد لويس الرابع عشر ، نظر إلي العامل وكنتُ ساعتها الكاتب الخاص له ، ولما دنوتُ منه همس في أذني : "اخضر بوخلفة لمكتبي بعد رفع الجلسة" ، بالفعل طلبتُ من المعنِي البقاء لمرافقتي حيث العامل ينتظره وأخبرته أنني سأعالج الموضوع ليخرج من العمالة سالما ، فامتثل لرغبتي نظرا لما كانت بيننا من صداقة صادقة كمنتسبين لنفس المدينة وأفكارنا متقاربة لحد ما ، ولما طلبني العامل وجدته في حالة عصبية لم أعهدها فيه من قبل ليفاجئني : اعلم بما لك من علاقة مع بوخلفة فلا تحاول الدفاع غنه لارتكابه خطأ فظيعا بما صرح به أمام الجميع وعلىّ إشعار وزير الداخلية بالأمر ليتخذ في شأنه ما يراه صائبا فما قولك ؟؟؟ . أجبته بالحرف الواحد : " تعلمون سعادة العامل أن محمد بوخلفة له من الأنصار الآلاف  وبمجرد سماعهم خبر أي إجراء تقومون به ضده ستجدون أنفسكم محاطين بمظاهرات قد تتسع شراراتها لتعزز تلك المقرر حدوثها خلال اليومين التاليين في تطوان ، والشمال في حاجة إلى هدوء وانتم أدرى بعقلية الجنرال افقبر وزبر الداخلية ، ربما اتهمكم بعجز التحكم فيما يحدث من مظاهر اضطرابات أن وقعت لا يُحمد عقباها" ، قاطعني : "وما العمل فمحمد بناني رئيس القسم السياسي للعمالة على وشك إنهاء تقرير لرفعه لرؤسائه بالإدارة المركزية" ، قلت له محمد بناني يكن لكم المحبة والتقدير بإشارة صغيرة منك يمزق ذاك التقرير ، ولتكتفوا ألان بتوجيه توبيخ خفيف لمحمد بوخلفة ، ولي اليقين انه لن يكرر ما قام به ثانية" . وهكذا وجه السيد العامل ما يشبه توبيخا وأنهى حديثة : "عليك توجيه الشكر لمن دافع عليك مصطفى منيغ ، الظاهر أنه يعزك كابن مدينته".

مصطفى منيغ

أرادوها متأخرة فبقيت مزدهرة

 

أرادوها متأخرة فبقيت مزدهرة

القصر الكبير : مصطفى منيغ

كرَّسوا جهدهم لتكون في انحناءة دائمة تابعة ، فغدت بهيبتها المتجدِّدة متبوعة ، خُلِقَت بسواعد بشر سافروا لسنين بحثا عن أرض لا تكون لأهلها بائعة ، ولا لجبابرة الظلم والهوان طائعة ، ولا لافتراءات زعماء متسابقين على مناصب الطغيان سامعة ، ترعى شؤونها لتكبر برغبة التطوُّر للظفر بكل رائعة ، تضفي على الحياة هالة من الراحة النفسية المانعة العكس بكل منيعة ، من أعمال تنمي الموجود في الاحتياط بالوسائل المتاحة السريعة ، لمواجهة صروف أية كارثة واقعة ، كامتحان للطبيعة لفرض وجودها بتلك الظواهر الخفيفة المتواضعة . فجاء الاختيار الفينيقي المعزز بالإغريقي لتكون حيث الآن "القصر الكبير" المدينة الأقدم مجدا ما تجاوزها عهداً إلا وكانت في الوسط بنور مواقفها ساطعة ،  مهما تجلَّى الفرق بين اليوم وذاك اليوم من ألاف السنين ما تغير رسمها بقناعة المنتسبين إليها (عبر المراحل الضاربة في أعماق الزمن) واسعة ، نفس الشمس تدفئ بمقدار إشعاعات نافعة ، ذات القمر يضيء لياليها لتبدو من العلياء لامعة ، وكذا النهر في سريان مياهه جاعلا ضفتيه في تعرُّجهما حتى الارتماء بين أحضان اليم في اصطدامات ناعمة ، الإنسان وحده مَن فوقها تغيَّر مع عهد حرمه حقه الإنساني حتى في معادلته مع أشقاء له في الوطنية وهم في العاصمة أو فاس والعيب في موزعي الثروة المغربية حسب هواهم و انحيازات لا هي بالأمينة ولا العادية ولا المُقنعة بغير القانعة .

... لنترك الأقْدَم فالقديم جانباً ، وإن كنا في حاجة للرجوع إليهما بين الحين والآخر ، ولنشرع في الإجابة عن سؤال يكون التوطئة المحورية لمعرفة مَن ساهم في تعطيل مسار المدينة لتصل حاضراً مُعاشاً وجله لا يبعث الأمل المرجو و بأي نسبة ايجابية في المستقبل ، بذكر محطات الأحداث والوقائع دون تسلسل تاريخي ، بل هي مقتطفات تذكير لوضع النقط فوق الحروف ، ويعلم العامة مَن خدم مدينة القصر الكبير لصالحها وحباً فيها ووفاء لعهد انتسابه لها ، ومَن استغلَّها للسطو على مصالح نفعية ذاتية تؤهله ليكون ما هو عليه الآن ولا يهمه إلا نفسه .  ولنستحضر مجريات تلك الجهة الرسمية التي أدركت غايتها عن طريق بيادق استعملتهم لجمع ما جمعته مقابل إطلاق أياديهم يلطخونها بأعمال قذرة التجارة في المخدرات إحداها ، وما شهدته ناحية "تَطَّافْتْ" "جَهْجُوكَة" "القُلَّةْ" من تحركات تصب في هذا الموضوع باشرها بيدق مهما حامت حوله شكوك وجد في تلك الجهة السد الفاصل بينه والساهرين على تطبيق القانون المغلوبين على أمرهم في تلك المرحلة المُخصَّصَة لتلويث سمعة القصر الكبير بواسطة غرباء عنها اعتمدوا نفوذا ممنوحاً لهم ، وهم ابعد ما يكونون من الموظفين التابعين للدولة ، ولطالما اصطدمت مع عمال لإقليم العرائش ، كلما ناقشتهم مباشرة فيما تهربوا دوما حتى لا يُفتضح أمرهم أكثر وأزيد ، إلي أن تيقنت أن البعض منهم ما همهم القسم الذي أدوه أمام عاهل البلاد الراحل الحسن الثاني ، بأداء مهمتهم  على الوجه الأكمل ، واستبدلوه بقسم آخر رددوه سرا يخول لهم ملء جيوبهم مهما كان التوقيت نهاراً أو ليلاً ، ولول هؤلاء لما عرفت مدينة القصر الكبير عناصر شيطانية الأفعال معروفة أسماء وأصولاً ، كلفتها سنوات من المعاناة ومخلفات الجميع يعلم بويلات تفاصيلها ولا داعي لتوضيح الأمر أكثر مما هو واضح .(للمقال صلة)

مصطفى منيغ

أرادوها الصغيرة فظلت الكبيرة

 

أرادوها الصغيرة فظلت الكبيرة

القصر الكبير : مصطفى منيغ

القصر الكبير شيخ المدن المغربية الوقُور ، مَن تركته الدولة مع التهميش والإقصاء حول محوره يدُور ، وما استسلمَ لليأسِ ولا لعوالم الانكسار يزُور ، بل ظل واقفاً في شموخ كُبريات النخيل وأجذاع صُغَيِّرات الزهُور ، يستقبل ريح الإهمالِ ببسالة المتحدي الجسُور ، المتمكِّن بصبرِ أيوب وتاريخ مقامه العالي على امتداد الدهُور. ظلمه الظالمون أكثر مِن مرة وكان عليهم دوماً ذاك المنصُور ، لا يعبأ بمخلَّفات ما توارثته الأيام على لسان رواة تدين ما حكموا به مساحته الطاهرة من تهوُّر ، ولا يتصدَّع ممَّن لازموا تدبير شؤون أهلهِ إذ هم كسواهم محطة عبُور ، تترقب رحيلها حيث قبُور ، جامعة مَن لحق بها اليوم أو استقرَّ وسطها من عهود انتظاراً ليومِ النُّشُور ، ليعلَمَ الشقي مِن ظلام قعرِ حريقٍ سوء فعله والمُحسن يُجَازَى عن تصرفاته الحسنة بنعيم متعةِ النُور . حسبها البعض مدينة الفرصِ المُتاحة لينهبَ مِن خيراتها كما شاء دون تأنيب ضمير ولا حبل عدالة لعنقه يَجُر ، فغنم مِن الحرام ما انتفخت به أوداجه وأركب ذويه هودج التعالي على الخَلقِ كما يتصرَّف المغرُور ، فكانت أخرته  عِلَّة أصابته ما نفع معها لا دواء ولا تمائم ولا حرقاً للبخُور ، فتبخَّرت الثروة التاركة جمعها دموع الأرامل والأيتام تُغرِق وجوده بذكريات تقهر ببشاعة أحداثها غير المقهور . مرقد لأولياء الله الصالحين هي مدينة القصر الكبير المُباركة  التي أحبوها ودعوا لها بقوة الاحتمال وعدم تعليق وجدان أهاليها بقيمة وفرة المال المُكتَسَب عن طمعٍ أو استغلال فقط التعلق بمحبة الخالق واهب الأرزاق ففي ذلك الشعور، بحلاوة الجمال الكامن في الإيمان الصادق الواضح عير المجهول أو المهجور . مَن خذلها حصد مِن زرعه خواء حتى  القشور ، ومَن صادقها عايش ربوعها وهو المعتز بأخلاقه القويمة فخور. القصر الكبير عبارة عن مُجمَّع آنساني مسالم عن تَحضُّر، راقي عن تعلُّم معمَّق عن تواضع رافع صاحبه بالحسنى منفتح كخلاصة جذور مقامه المجسِّمة لرحلة الإنسان من بدايات الزمان إلي الآن شجاع عن حق للدفاع عن الحق بالحق  منحدر من أصلٍ لأصولٍ متأصِّلةٍ أصيلة وحَّدت أجناساً مِن أقاصي بقاع الأرض للاستقرار حيث الوادي يعانق البحر والثرى في طيب العطور ، بروائح تنعش الأنوف وتريح الصدور ، باستنشاق الهواء الطلق النقي  العليل  السالك الجسور ، وصولاً لما الطبيعة حفرته على السهول والمروج والتلال و الهضاب وأعالي الصخور ، مِن مناظر تُبهج النفوس وتريح الأعصاب و تشفي كل متضايقٍ عن سبب ما مضرور .

... لم تكن قابلة للنسيان أو تُوصَف بالغفلة عن حقها مهما جار عليها الرمان فتقبع في مكانها المحصور، بين أطماع المبتلي بهم المغرب منذ عصور ، أحفاد الاستحواذ على منافع الآخرين مهما كانوا محوطين أنفسهم بأمتن صور ، لذا تعرضت المدينة لأكثر من غارة لإركاعها وسلب مقوماتها وما اختزنته من كنوز المعرفة مذ كانت نواة لزعامة راغبة في الظهور ، ما أسِّسَ في محيطها عبر مراحل بدائية بخاطرها منشور ، ليعم ما حولها فيدب الوعي وتتكاثر الطموحات المكونة لكيان دولة وأمة لها امتداد مهما كان المجال عبر المعمور ، لكن دعاة التخريب الآتين من بعيد متى سمعوا بمثل الخير يطفو زارعاً للتمدُّد الحضاري الرفيع بذور ، زحفوا صوبها معزَّزين بفؤوس الهدم لإتلاف المذكور ، في أسفار تعد المراجع الأكثر إحاطة بصدق الأخبار عما بادت من شعلة المجد (المبني طوبة بعد طوبة لرخاء حياة) في تلك البقعة سادت كأضخم ما عرفته الإنسانية في ذاك الوقت من أتَمِّ مشروع للتعمير المرصع بالانضباط والتنظيم   المُدافُع عنه حتى بقرنيات الأُظْفُور ، وكل مرة يُرَاد اندحارها تنهض ضاربة المثل الأروع في صمود لايَبُور ، وكلها عزم للبدء من جديد على نفس القاعدة الأساس بعد شبه قحط تُصبَغ اليابسة مباشرة باليَخْضُور ، وتيك إرادة تنجز مِن اللاشيء المعجزات حباً في الاستقرار حيث الماء الوفير والأفق النظير والجو المفعم بالتفاؤل لاستقبال أفضل مصير مبَشَّر به مع زقزقة العصافير كل شروق به الروتين يطير كأنه عالم مصغَّر للسعداء مَن قُدّر عليهم في ذاك التوقيت الغابر الحضور .

... سكنه البشر ما قبل التاريخ ليكون أعرق موقع يستحقّ الانتباه والمغرب يتحدث عن نواة نشأته كدولة و أمة ، رفقة "ليكسوس" التي لا زالت تُحكَى عنها ما خلَّدها تحفة جلبت ألباب مَن حجُّوا لعين المكان ، قصد التمتع بما كان ، في الدنيا جمالا للجمال كأرق بستان ، وبلسماً لحياة كانت الأحلى والأهنأ والامتع فضاء وجواً وزرعا وتآلُفاً بين مَن عاشها آنذاك في استقرار وأمان ، لتصبح الآن مطرحاً للنسيان ، مسيَّجة بما يدين القائمين على التراث كأنها وكل منطقة القصر الكبير عبارة عن سطور في كتاب أصل وطن ، المراد مسح جملها الواحدة تلو الأخرى لتبدو بما أسسته من حضارة مجرَّد لقيطة ليمر مَن يمر عليها دون أعارتها ما تستحقه  حتى من أطيب  وصفِ عطفٍ وحنان . ويغمر الأسى المتمعن في درجات الإهمال ليضاف لما تعرضت له في جانبها الظاهر المتبقي من المدفون تحت الأرض بعامل التقادم ، وكأن الفينيقيين ما وصلوا إلي هنا وجعلوا منها مدينة التفاحات الذهبية العامرة على الضفة اليمنى لنهر "اللوكوس" . "بلينيوس" عرَّفها كأقدم ما شيده  الفينيقيون بغرب البحر الأبيض المتوسط ن متداول عليها عبر الأجيال ، أن هرقل التحق بها لأخذ التفاحات الذهبية بعد قطفها من شجرة عرفتها حدائق الهيسبيريذس بعد معركة جمعت بينة وحارس الشجرة التنين العملاق .(للمقال صلة)

مصطفى منيغ    

المتفشي في المغرب المرتشي

المتفشي في المغرب المرتشي القصر الكبير : مصطفى منيغ بلدٌ مضبوطٌ على نقائِص عِدَّة حفاظاً على عادة واحدة مُكرَّرة ، بلدٌ مربوطٌ بحبال أعر...